كان يا مكان كان في شجرة وحيدة اسمها شجرة الحياة، أصلها ثابت و فرعها في السماء، و يمكن ده اللي قاله عليها الحكما و الأنبياء، بس المهم إن أوراقها كانت ترياق لكل محتاج أو مسحور، فتفك أسر اللي حب و ما طالش الوصال، و تقطع عرق الحسود من المحسود، و تغطي جراح اليتامى بورق من توت، و الغريب إن ليها ريح تتشم من على بعد مية ألف ميل...
"بس دس شكلها كئيب قوي يا ماما؟"
قالت تسنيم -ذات التسع أعوام- هذا لأمها بينما هما في طريقهما إلى شجرة الحياة، حيث بداية الكرة الأرضية و نهايتها في آن واحد، و حيث يقول كبار السن أن المسيخ الدجال سيظهر ذات يوم ليفتن المؤمنين الصالحين.
"و بعدين، مش مميزة يعني، ما فيهاش أي حاجة جذابة أو تبين أنها فعلا الشجرة اللي حتحول كل أحلامنا لحقيقة."
التفتت مها إلى ابنتها تسنيم. كانت هذه الأخيرة تحمل لعبتها المفضلة، الأرنب باتريك و الذي سمته على اسم أحد أبطال مسلسلها الكرتوني المفضل سبونج بوب Spongebob في يد و باليد الأخرى تطبق على أنامل أمها.
"اسمعي يا تسنيم، أحنا لازم نروح الشجرة دي، و ما ينفعش إنك تتريأي عليها زي عادتك أو تعتبري الموضوع هايف. المرة دي أحنا جايين عشان حاجة كبيرة قوي، حاجة مهمة و ما ينفعش..."
ترفع مها رأسها لأعلى، تستنشق الهواء البارد في شدة فتدمع عيناها و تلسع البرودة الأغشية المبطنة لرئتيها و الشعيرات الدموية في أنفها.
"أنتي حتتمني إن بابا يرجع؟" سألت تسنيم في حزن بينما اشتدت قبضتها على أذن باتريك المدلاة.
"دي مش بير لللأماني يا تسنيم، دي وسيلة من وسايل العلاج زي دوا الكحة و الأنتيبيوتيك." هتفت مها في حدة.
"يع، زي الأنتيبيوتيك، دي أكيد طعمها زبالة."
"أحنا مش حناكلها،" عاودت مها السير و هي تسحب تسنيم في قسوة. "أحنا حنطلب منها تداوينا."
ليست الشجرة كما توقعت تسنيم، فأوراقها تحمل من الأشكال ما لا يتخيله عقل، و لون جذعها ما بين الكريم كراميل و نشارة الخشب، كما أن أفرعها متشابكة إلى حد مذهل و الطيور لا تطأها حتى في هذه الساعة المتأخرة، حيث الطيور كلها كامنة في أعشاشها تنتظر الصباح.
تهانفت مها و خرت على ركبتيها في تعب أمام الشجرة. تخلت عن يد تسنيم فتشبثت الطفلة بأرنبها ماسكة به من أذنيه الطويلتين كما يفعل البائعون في السوق.
أخذت مها تبكي، تساقطت دموعها على جذور الشجرة الغليظة البارزة حتى التداعي.
"ساعديني، ساعديني أحمي بيتي، بحب سلمان قوي و مش عايزاه يسيبنا، خليهولي أو قويني عشان أعرف أربي بنتي.."
تجمدت تسنيم و هي تستمع إلى هذا الكلام. إذن فوالدها حقا تركهم بلا رجعة! لم تكن جدتها تكذب إذن. و المرأة ذات الصوت الناعس التي أجابتها عندما اتصلت بهاتف والدها المحمول هي المرأة الشريرة التي أخذته من والدتها و ليست السكرتيرة كما قال لها والده لاحقا. إنها تكرههم جميعا. أمها و جدتها و والدها و المرأة الشريرة التي خطفته و تلك الشجرة الغبية التي لا نفع لها.
"يلا بينا نمشي. أنتي بتعملي ايه هنا." بيديها هزت أمها في غلظة ثم كورت قبضتيها الصغيرتين و أخذت تلكمها في كتفيها و هي تبكي و تنوح "الشجرة الغبية بتاعتك مش حاترجعه. يللا نمشي من هنا."
ظلت أمها على هذا الحال، منكسرة مستكينة، فتركتها تسنيم و انطلقت على عقبيها بعيدا عن الشجرة، لم تمش سوى عدة خطوات حتى وجدت نفسها في مواجهة بعض القادمين من الجهة المعاكسة. توقفت في مكانها إذ رأت هذا الفتى الصغير الأصلع تماما و هو يمسك بيد أمه مبتسما في هدوء بينما هي تخط السير نحو الشجرة ساحبة إياه وراءها. لم يكن الولد مقاوما لخطوات أمه كما كانت تسنيم، لكنه لم يبد أيضا بنفس الحماس الذي يكتنفها. عندما مر بتسنيم، توقف عندها قليلا، و حتى لما جدت أمه السير به مرة أخرى، ظل ملتفتا بوجهه ليراقب تسنيم و التي تسمرت في مكانها، تبادله النظرات بالنظرات.
**************************
في حياته لم يحب أندرو، ابن التسع أعوام، سوى غزل البنات. حتى و إن سخر منه زملاءه بالمدرسة، ظل علي يلتهم أكبر الكميات منه و يعتبره الطعام الوحيد الذي يسعده أو يسليه. لم يكن يحب الشيكولاتة أو رقائق الشيبسي أو المصاصات، فقط غزل البنات. و عندما مرض علي و قال له طبيبه أن ما أصابه يدعى اللوكيميا - ولم يقل له المرادف العربي للكلمة- لم تعد معدته الصغيرة قادرة على احتمال غزل البنات. و لا أي طعام لذيذ آخر. لم يكن له من السلوى على افتقاده لغزل البنات إلا سماع البائع و هو يجول أسفل نافذته، مطلقا زمارته ومناديا على بضاعته. أحيانا كان أندرو يلصق جبهته بالزجاج البارد كالثلج، فقط ليمتع عينيه و يعذب نفسه بمرأى الأكياس المنتفخة المحملة بالحلوى القطنية مختلفة الألوان؛ بمبي، أصفر، أخضر، أزرق و بنفسجي.
"لو وحشك غزل البنات، مد إيديك لفوق و حسس على السحاب. شكله و هو متجمع فوق في السما زي جبال من غزل البنات الأبيض الجميل."
كم أغمض أندرو عينيه و فعل مثلما قالت له والدته ذات يوم. لكن طعم السكر لم يصل إلى لسانه قط، بل داهمته نوبات بشعة من القيء و لم تتركه إلا و قد أنهكت قواه، و ماتت أحلامه على وسادته المبتلة بالدموع.
حتى أخبرتهما جارتهما مدام جانيت بأمر الشجرة.
"بيقولو إنها شجرة مبروكة، تحتها مات الأنبا إستفانوس و بيقولو إن الشجرة نبتت جدورها تحت جسمه من غير لا مية ولا تقليب تربة، دي شجرة بركة و كل ما أروح هناك أطلب من ماما العدرا تهدي سر كارولين و توفق مينا في دراسته، و بصلي كمان للقديس إستفانوس يشفع لنا عند ربنا فوق مع القديسين و الشهدا."
"طب و طلبتي أي حاجة و حصلت؟" سمع أندرو أمه تسألها في لهفة.
"طبعا، صليت لربنا مينا يسمع كلامي و يشيل دماغه عن البت جورجيت الصفراوية دي، و نشكر ربنا بعد أسبوع من الزيارة المباركة كان ناسي البنت و هاتك يا مذاكرة."
"طب و كارولين؟"
هنا سمع أندرو صوت مدام جانيت و قد تهدج بالدموع "لسة دماغها ناشفة و مش ناوية تجيبها لبر. مش عايزة تتجوز و لا حتى تقابل أي عريس من العرسان اللي عمالين يرمو نفسهم تحت رجليها. ساعات تقولي أنا لسة صغيرة، و أيام تقولي أنا حترهبن لما جننتني."
لم يفهم أندرو سر ضيق مدام جانيت من عدم زواج كارولين حتى الآن. فهي حقا صغيرة كما تقول. ألا تتزوج الفتيات عندما يكبرن مثل والدته؟ أو ربما مثل خالته سميحة أو خالته مريم. لكن كارولين؟ إنها مازالت فتاة صغيرة تعمل في صيدلية على أول شارعهم. دوما ما يذهب إليها لتعطيه الأدوية التي كتبها له الطبيب و تخصم له 10% من ثمن الأدوية، حتى المستورد منها. عندما كان يذهب ليلعب عند مدام جانيت في الأعياد، كان يتجنب مينا نظرا لثقل ظله و تظاهره بأنه كبر كثيرا على الألعاب الطفولية، لكنه كان يعشق أن يدخل حجرة كارولين، حيث صورة البابا شنودة معلقة في برواز مذهب أنيق فوق المكتبة الخشبية الصغيرة. و حيث قطة كارولين الشيرازي "لوليتا" تنعس أسفل قدمي صاحبتها أو على جدار الشرفة. كانت كارولين تصنع له الميرينج و الكريم شانتي قليل الدسم، و إذ تضعه أمامه في طبق عسلي اللون، يغمض عينيه و يتخيلهما بلونهما الأبيض أو الأحمر أو المذهب قليلا و كأنهما سحابات هشة من غزل البنات منزوع السكر.
"الحاجة اللي بيديها جمالها هو أننا نتخيلها مش بس نجربها، و مادام أنت حابب الكريم شانتي و الميرينج يبقى ليه ما تسميهومش غزل بنات؟ هو مين اللي سمى غزل البنات: غزل بنات؟ مش واحد زينا برضه؟ يبقى ايه اللي يمنع إنك تسمي ده غزل بنات و ده غزل بنات."
ابتسامة كارولين الصافية كانت تعيد أندرو إلى بيت مدام جانيت مرة و ثانية و ثالثة. و ما أقنعه بالذهاب إلى الشجرة كان هي و ليس أمه.
"بس أصحابي في المدرسة بيقولو إن الشجرة دي هجس و مش حقيقة." قالها لكارولين ذات يوم و هما يتفرجان على المارين بالشارع أسفل شرفتها.
"و أنت شايف إيه؟"
"مش عارف أنا عمري ما رحت للشجرة دي."
مدت كارولين يدها و داعبت لوليتا ما بين أذنيها، ماسحة على الفراء الدافىء، "يبقى تعمل زي ما قلت لك، تخيل إنها مفيدة. تخيل إنها مش هجس، و ساعتها حتلاقي خيرها بقى من نصيبك حتى لو ما فيهاش خير."
"مش بتعيط ليه؟"
وثب أندرو خطوتين للوراء و اعتدل مندهشا من عدم ملاحظته لاقتراب الطفلة ذات الجبهة المقطبة منه.
"اسمك ايه؟" سألها متوددا.
"مالكش دعوة." قالتها و هي تعطيه ظهرها.
"طب أرنبك اسمه إيه؟"
"أنت ليه أقرع كدة و كمان ما عندكش حواجب؟"
عض أندرو على شفته و نظر للأسفل و قد ماتت الابتسامة الودودة من على شفتيه. عندما طال صمته بدا أن البنت شعرت بالحرج مما فعلت لأنها قطعت الصمت قائلة "هي مامتك جت هنا عشان تطلب من الشجرة تشفيك؟"
رفع أندرو بصره إليها فأكملت "ماما جت هنا عشان بابا يرجع البيت."
"هو باباكي ساب البيت ليه؟"
"عايز يجيب بيت تاني."
"طب ما تروحو معاه البيت التاني، ايه المشكلة؟"
"مش عايزنا نروح معاه."
انتبه أندرو إلى أنها تبكي. تساقطت دموعها في غزارة و هي تضرب الأرض بقدميها حتى تغطى حذائها بالكامل بالتراب. تقدم منها خطوتين ثم توقف إذ وجدها ترمقه بنظرة حادة. إنها مثل خالته سوزي لا تحب أن يراها أحد و هي تبكي.
"ماما جت هنا تصلي عشان عندي ليوكويما."
"ايه ده؟"
"سرطان،" أجاب أندرو وهو يحاول التظاهر باللامبالاة. "بس ماما مصرة تقولي إنه حاجة أخف من السرطان و مش سرطان، بس أنا عارف الحقيقة. زي ما أنا عارف إني حموت."
لوهلة، بدا أنهما سيظلا صامتين. كل شيء من حولهما تجمد، و اندهش أندرو لاختفاء الأصوات البكاءة المتضرعة إلى الإله رغم أن طنينها لم يتوقف منذ جاء إلى هنا. أخذ نفسا عميقا ثم أطلقه و التفت إلى جانبه فقط ليجد تسنيم قد أمسكت بتلك الباقة الصغيرة
مدت يدها إليه و على وجهها الممتعض دائما شبه ابتسامة. تقبل أندرو الباقة شاكرا، و إذ قربها من أنفه، تطايرت حبوب اللقاح الصفراء الوبرية في كل مكان. تحمل أحلامه، و أحلامها و أحلام كل المصلين.
"هو أحنا بنصلي للشجرة؟" سألته تسنيم و هما يسيران جنبا إلى جنب نحو الشجرة التي لم تبد خادعة إلى هذا الحد.
"بيتهيألي."
"مش ربنا هو اللي خلق الشجرة؟" سألته تسنيم و هما يواجهان الشجرة، بفروعها و أوراقها و غصونها المتشابكة.
"أنتي لو صليتي لأي حاجة يبقى بتصلي لرب الشجرة. أنا حصلي إن باباكي ياخدكم معاه البيت الجديد."
"و أنا حدعي لك إن ربنا يشفيك من اليوكيما."
"الليوكيميا، أوعي تنسي."
"ليوكيم."
"ليوكيما..."
كان يا مكان كان في شجرة وحيدة اسمها شجرة الحياة، أصلها ثابت و فرعها في
السماء، و يمكن ده اللي قاله عليها الحكما و الأنبياء، بس المهم إن أوراقها
كانت ترياق لكل محتاج أو مسحور، فتفك أسر اللي حب و ما طالش الوصال، و
تقطع عرق الحسود من المحسود، و تغطي جراح اليتامى بورق من توت، و الغريب إن
ليها ريح تتشم من على بعد مية ألف ميل...
"بيقولو إنها شجرة مبروكة، تحتها مات الأنبا إستفانوس و بيقولو إن الشجرة نبتت جدورها تحت جسمه من غير لا مية ولا تقليب تربة، دي شجرة بركة و كل ما أروح هناك أطلب من ماما العدرا تهدي سر كارولين و توفق مينا في دراسته، و بصلي كمان للقديس إستفانوس يشفع لنا عند ربنا فوق مع القديسين و الشهدا."
"طب و طلبتي أي حاجة و حصلت؟" سمع أندرو أمه تسألها في لهفة.
"طبعا، صليت لربنا مينا يسمع كلامي و يشيل دماغه عن البت جورجيت الصفراوية دي، و نشكر ربنا بعد أسبوع من الزيارة المباركة كان ناسي البنت و هاتك يا مذاكرة."
"طب و كارولين؟"
هنا سمع أندرو صوت مدام جانيت و قد تهدج بالدموع "لسة دماغها ناشفة و مش ناوية تجيبها لبر. مش عايزة تتجوز و لا حتى تقابل أي عريس من العرسان اللي عمالين يرمو نفسهم تحت رجليها. ساعات تقولي أنا لسة صغيرة، و أيام تقولي أنا حترهبن لما جننتني."
لم يفهم أندرو سر ضيق مدام جانيت من عدم زواج كارولين حتى الآن. فهي حقا صغيرة كما تقول. ألا تتزوج الفتيات عندما يكبرن مثل والدته؟ أو ربما مثل خالته سميحة أو خالته مريم. لكن كارولين؟ إنها مازالت فتاة صغيرة تعمل في صيدلية على أول شارعهم. دوما ما يذهب إليها لتعطيه الأدوية التي كتبها له الطبيب و تخصم له 10% من ثمن الأدوية، حتى المستورد منها. عندما كان يذهب ليلعب عند مدام جانيت في الأعياد، كان يتجنب مينا نظرا لثقل ظله و تظاهره بأنه كبر كثيرا على الألعاب الطفولية، لكنه كان يعشق أن يدخل حجرة كارولين، حيث صورة البابا شنودة معلقة في برواز مذهب أنيق فوق المكتبة الخشبية الصغيرة. و حيث قطة كارولين الشيرازي "لوليتا" تنعس أسفل قدمي صاحبتها أو على جدار الشرفة. كانت كارولين تصنع له الميرينج و الكريم شانتي قليل الدسم، و إذ تضعه أمامه في طبق عسلي اللون، يغمض عينيه و يتخيلهما بلونهما الأبيض أو الأحمر أو المذهب قليلا و كأنهما سحابات هشة من غزل البنات منزوع السكر.
"الحاجة اللي بيديها جمالها هو أننا نتخيلها مش بس نجربها، و مادام أنت حابب الكريم شانتي و الميرينج يبقى ليه ما تسميهومش غزل بنات؟ هو مين اللي سمى غزل البنات: غزل بنات؟ مش واحد زينا برضه؟ يبقى ايه اللي يمنع إنك تسمي ده غزل بنات و ده غزل بنات."
ابتسامة كارولين الصافية كانت تعيد أندرو إلى بيت مدام جانيت مرة و ثانية و ثالثة. و ما أقنعه بالذهاب إلى الشجرة كان هي و ليس أمه.
"بس أصحابي في المدرسة بيقولو إن الشجرة دي هجس و مش حقيقة." قالها لكارولين ذات يوم و هما يتفرجان على المارين بالشارع أسفل شرفتها.
"و أنت شايف إيه؟"
"مش عارف أنا عمري ما رحت للشجرة دي."
مدت كارولين يدها و داعبت لوليتا ما بين أذنيها، ماسحة على الفراء الدافىء، "يبقى تعمل زي ما قلت لك، تخيل إنها مفيدة. تخيل إنها مش هجس، و ساعتها حتلاقي خيرها بقى من نصيبك حتى لو ما فيهاش خير."
**************************
ركعت أم أندرو أمام الشجرة المقدسة، رسمت الصليب على صدرها ثم ضمت كفيها أمام وجهها المبتل. لوهلة بدا أنها ستتحدث، ربما تتمتم بصلوات ما لكنها تسمرت على هذا الوضع. نظر أندرو حوله، فقط ليجد آلاف البشر الذين لم يكن قد لاحظهم في بادىء الأمر. كان هناك رجل عجوز بلحية رمادية مشعثة يبكي بصوت خفيض. و على مبعدة منه كانت امرأة في مثل عمر والدة أندرو تقريبا تمرغ رأسها في التراب الطيني و الأعشاب الجافة المتناثرة في كل جهة من جهات الشجرة. كل دقيقتين ترفع رأسها لفوق و هي تهتف "يارب" ثم تعاود التمرغ و التبرك. و على مسافة غير ببعيدة، لاحظ أندرو وجود والدة الفتاة التي مر بها منذ قليل. بدا أنها لم تعد تستطع سوى أن تريح رأسها إلى الأرض المزروعة، مطلقة زفرة وراء أخرى في صعوبة. رفع أندرو بصره فقط ليقع على الفتاة التي رآها في بداية قدومه إلى هنا. أظهر وجهها تكشيرة كبيرة و بدت قبضتاها قاسيتان إذ شبثتهما على أرنبها القطني المنتفخ. شعر أندرو الخجل من إعجابه بهذه اللعبة بعد أن تخطى مرحلة اللعب بالدمى و العرائس القطنية. احمرت أذناه دون أن يدري، فلم بكن من المفترض لصبي أن يلعب بمثل هذه الألعاب أصلا."مش بتعيط ليه؟"
وثب أندرو خطوتين للوراء و اعتدل مندهشا من عدم ملاحظته لاقتراب الطفلة ذات الجبهة المقطبة منه.
"اسمك ايه؟" سألها متوددا.
"مالكش دعوة." قالتها و هي تعطيه ظهرها.
"طب أرنبك اسمه إيه؟"
"أنت ليه أقرع كدة و كمان ما عندكش حواجب؟"
عض أندرو على شفته و نظر للأسفل و قد ماتت الابتسامة الودودة من على شفتيه. عندما طال صمته بدا أن البنت شعرت بالحرج مما فعلت لأنها قطعت الصمت قائلة "هي مامتك جت هنا عشان تطلب من الشجرة تشفيك؟"
رفع أندرو بصره إليها فأكملت "ماما جت هنا عشان بابا يرجع البيت."
"هو باباكي ساب البيت ليه؟"
"عايز يجيب بيت تاني."
"طب ما تروحو معاه البيت التاني، ايه المشكلة؟"
"مش عايزنا نروح معاه."
انتبه أندرو إلى أنها تبكي. تساقطت دموعها في غزارة و هي تضرب الأرض بقدميها حتى تغطى حذائها بالكامل بالتراب. تقدم منها خطوتين ثم توقف إذ وجدها ترمقه بنظرة حادة. إنها مثل خالته سوزي لا تحب أن يراها أحد و هي تبكي.
"ماما جت هنا تصلي عشان عندي ليوكويما."
"ايه ده؟"
"سرطان،" أجاب أندرو وهو يحاول التظاهر باللامبالاة. "بس ماما مصرة تقولي إنه حاجة أخف من السرطان و مش سرطان، بس أنا عارف الحقيقة. زي ما أنا عارف إني حموت."
لوهلة، بدا أنهما سيظلا صامتين. كل شيء من حولهما تجمد، و اندهش أندرو لاختفاء الأصوات البكاءة المتضرعة إلى الإله رغم أن طنينها لم يتوقف منذ جاء إلى هنا. أخذ نفسا عميقا ثم أطلقه و التفت إلى جانبه فقط ليجد تسنيم قد أمسكت بتلك الباقة الصغيرة
مدت يدها إليه و على وجهها الممتعض دائما شبه ابتسامة. تقبل أندرو الباقة شاكرا، و إذ قربها من أنفه، تطايرت حبوب اللقاح الصفراء الوبرية في كل مكان. تحمل أحلامه، و أحلامها و أحلام كل المصلين.
"هو أحنا بنصلي للشجرة؟" سألته تسنيم و هما يسيران جنبا إلى جنب نحو الشجرة التي لم تبد خادعة إلى هذا الحد.
"بيتهيألي."
"مش ربنا هو اللي خلق الشجرة؟" سألته تسنيم و هما يواجهان الشجرة، بفروعها و أوراقها و غصونها المتشابكة.
"أنتي لو صليتي لأي حاجة يبقى بتصلي لرب الشجرة. أنا حصلي إن باباكي ياخدكم معاه البيت الجديد."
"و أنا حدعي لك إن ربنا يشفيك من اليوكيما."
"الليوكيميا، أوعي تنسي."
"ليوكيم."
"ليوكيما..."
****************




حسيت اني واقف قدام شجرة عجوزة و كبيرة (زي اللي في فيلم افاتار) و حسيت بالهوا البارد اللي بيعرف طريقه جوه رقتي
ردحذفبس حسيت بالغربة و الامل ف نفس الوقت
كتاباتك بتدخل الواحد ف موود غريب يا جي ياختي ^_^
مرسي جدا يا ياسر. مبسوطة إن كتاباتي بتعجبك :) وبستنى تعليقاتك بفارغ الصبر.
ردحذف